فاسدون واحزاب فاسدةمالوم ابو رغيف
في بلدان العالم الثالث وكقاعدة عامة، ومهما كانت حالات الفساد الاداري والمالي والسياسي في قوة اتساعها وانتشارها وتغلغلها، دأبت الحكومات على نكران ان يكون الفساد مظهرا من مظاهر الحكم، باذلة كل جهود اعلامها وحذاقة سياسيها للتقليل من حقيقة حجم التخريب الذي يسببه. العراق هو البلد الوحيد الذي يشذ عن هذه القاعدة، فالحكومة لا تنكر الفساد ولا تنكر تأثيراته الضارة ولا حجم التخريب والضرر الكبير الذي يسببه سواء في البنية الاجتماعية العراقية او في البنية الاقتصادية.
ليس الامر راجع لمصداقية الحكومات العراقية ما بعد اسقاط صدام وليس هو بشفافياتها، ولا هو انتقادا ذاتيا او اقرارا رسميا بفسادها ولا هو راجع لتدينها ولعمق ايمان شخوصها الذين هم على الاغلب من جماعات الاسلام السياسي اصحاب الجبهات الموشومة من اثر السجود لاغراض الاعلان والدعاية الانتخابية والمشاريع الوهمية، على العكس من ذلك،
فاقرار الحكومة بوجود الفساد وانتشاره هو محاولة منها للضهور بمظهر الايادي البيضاء النزيهه الطاهرة من شروره و اثامه، فمثلما تلقى جميع النزوات والاغوائات والتهورات على ابليس، فان حالات الفساد ومن دون استثناء يفسرها المسئولون والحكوميون الحزبيون على انها حالات موروثة من النظام السابق اكانت قوانين او تصرفات او اختلاسات او سرقات او تهريب.
ولو تم الاقرار عرضا بالفساد الجديد، فان الامر لا يتعدى ان يكون في اطار البحث عن ذرائع وحجج لاعذار الحكومة عن عدم قدرتها على تنفيذ التزاماتها وتعهداتها في توفير الخدمات الاساسية للناس مثل الماء والكهرباء والدواء والتي اصبحت تظاهي احلام دخول فردوس الجنة. الاعتراف بالفساد هو تلميع لصورة الحكومة وتقوية لمركزها سيما وان هذا الاعتراف يأتي دائما مصحوبا بتعهدها وعزمها على محاربته واجتثاثه بكل الوسائل والسبل وباسرع الاوقات.
الامر الذي يثير الانتباه، هو ان جميع المسؤليين وزراء وبرلمانيين، سياسيين ورؤساء احزاب، متدينين وعلمانيين، معارضة او حكومة، الجميع يشن حملات شديدة على الفساد ويعزو اليه تاخر البلد وانتشار الارهاب وانعدام الخدمات. الامر يبدو انبهاريا مدهشا، فمن هم الفاسدون اذن اذا كان الجميع يشهرون سيوفهم لاستئصال الفساد، هل الفاسدون اشباح بلا اجسام ولا اسماء ولا عناوين ولا مناصب ولا حمايات؟
واذا كان كل المسئولين والسياسين والمتدينين والمرجعيات والمنظمات والاحزاب والجمعيات، اذا كانت الدولة والحكومة والرئاسة والشرطة والجيش وكل الفعاليات الامنية والدينية والاجتماعية متحدة في جبهة لمحاربة الفاسدين، فهل يوجد اضعف من جبهة الفاسدين حينها، وهل يوجد اسهل من القضاء عليهم وعلى مواقعهم، وهل يغدو من الصعب حينها تشخيص اسمائهم ومناصبهم وعناونيهم وتطهير البلد من شرورهم.؟
الفاسدون معروفون بالطبع، اكانوا اعضاء برلمان او وزراء حكومة او سفراء او مدراء او عسكريون وامنيون. يعرف بعضهم البعض الاخر ويحسد بعضهم البعض الاخر ويتصيدون اخطاء وعثرات بعضهم البعض، معروفون لناسهم ولاحزابهم ولدوائر صلاتهم ولمعارفهم ولاقاربهم.
فلا نتعقد ان عدنان الدليمي يجهل جرائم اولاده منقذ ومكي
ولا طارق الهاشمي يجهل مكان اقامة الهارب من وجه العدالة ابن اخته وزير الثقافة الاسلامية اسعد الهاشمي لا يعرف ماضيه ولا حاضره
ولا نعتقد ان مقتدى الصدر لا يعرف من اقترف جريمة قتل السيد عبد المجيد الخوئي
ولا نعتقد ان الصدريين يجهلون محل اقامة ابو درع
ولا نتعقد ان الحكومة جادة في البحث عن قتلة الشهيد كامل شياع
ولا نعتقد ان صالح المطلق قد تفاجئ بتورط محمد الدايني بالارهاب ولا نعتقد ان صفقات موفق الربيعي مع السعودية صفقات نزيهة لوجه الله
ولا نتعقد ان مسيرات اللطم الحسنية التي يشرف عليها الحكيم واولاده خالية من الاهداف السياسية والانتخابية
ولا نتعقد ان اي حزب مهما كان يستطيع ان يمول مليشياته بطرق قانونية شرعية.
ولا نتعقد ان الاحزاب الدينية لا تعرف من يهرب النفط الى ايران والى دول الخليج وان عمائم مسؤليها وعبائتهم لا تشتم منها روائح النفط.
ولا نتعقد ان الفاسدين افراد، بل انهم احزاب. الفاسدون اما ان يكونوا صغارا وهم موجودون في كل انحاء العالم، يمكن القضاء عليهم بابسط القوانين، واما فاسدين كبارا وكبارا جدا، وهؤلاء هم العلة والعقبة الكأداء، فهؤلاء حزبيون، قياديون في احزاب حاكمة يحتلون مواقع متميزة فيها ، لهم مراكزهم السياسية والرسمية الحكومية والدينية، احزاب في الحكومة او في البرلمان، احزاب تعرف فاسديها وتعرف طرقهم غير المشروعة في جمع الثروات وامتلاك العقارات، تعرف صفقاتهم المشبوهه المريبة. ومع هذا تسكت وتدافع عنهم رغم افتضاح امرهم.
في العراق لا يوجد فاسدون فقط بل احزاب فاسدة الى نخاع العظم.