الحرية الفضائية ...خطاب وطني لعراق جديد
أثارت الاهتمام والأسئلة
لم يكن المواطن يتوقع هذا الانفجار الهائل في عدد القنوات الاعلامية وبفروعها بعد ان تغير النظام في العراق..لكن هذا ما حدث فعلا! شكلت الارقام،يعدها البعض خرافية
الخاصة باحصائيات المؤسسات الاعلامية سمة بارزة للفترة العراقية الراهنة،لينقسم المتابعون ازاءها بين مؤيد لما يراه من حق كان قد سلب منه لسنوات طويلة واخر رافض بدعوى ضرورة وجود اليات صارمة ورقيب لتنظيم العملية وتفادي تبعات الانفتاح. المهم ان الارقام اصبحت امرا واقعا والمؤكد ان لامجال للوقوف بوجهها... من المحطات الاعلامية التي يعدها البعض مميزة قناة الحرية الفضائية التي بدأت بث برامجها ارضيا منذ الايام الاولى لسقوط النظام المباد مقتصرة برامجها على فترة زمنية لا تتعدى الست ساعات لتصل مع اطلالة مطلع شباط من العام 2006 الى بث فضائي يغطي جميع ساعات اليوم. تجولنا في المحطة وتحدثنا مع مديرها العام د. برهان شاوي وهو شاعر واعلامي وله العديد من المنجزات في حقول الشعر والترجمة والنقد وايضا مع بعض من كوادرها فكان حديث عن الاعلام والادب و"الحرية “.
” الحرية “..هوية واهداف
تاسست المحطة من قبل الاتحاد الوطني الكوردستاني لكنها وكما يقول مديرها العام د.برهان شاوي قناة تحمل هوية عراقية خالصة بعيدا عن أي مظهر من مظاهر التعصب الحزبي.مؤكدة، من خلال هذا المفهوم، على خلق حالة من التوازن بين الانتماء الوطني والمرجعية الحزبية يأتي ذلك من كون المحطة مؤسسة اعلامية ليبرالية وديمقراطية تعمل على نشر ثقافة التسامح والدعوة الى اشغال العقل بدلا من سياسة الثأر.
ويبدو للكثير من متابعي المحطة ان "الحرية الفضائية" استطاعت وخلال زمن قياسي ان تحقق حضورا لافتا بين شرائح واسعة من الجمهور العراقي، يرجع د. شاوي الاسباب اولا الى طبيعة الخطاب الوطني المتوازن الذي تنتهجه المحطة اجواء الحرية الموجود اضافة الى الجهد الخارق المبذول من كادر القناة.
لكن شاوي يعقب بالقول :قد يتخيل البعض، اعلاميا،تحقيقه لنجاح ما، لكني اؤمن أنه ما زال امام الفضائية خصوصا واما الاعلام العراقي عموما مشوار طويل .. وعلى الاعلام العراقي ان يتعلم وان يراقب خبراته وان ينطلق الى حقول جديدة في الاعلام،فالاعلام العراقي مازال لليوم في موضع الدفاع فقط.
مشيرا الى ان الاعلام في العراق ،يؤكد هنا انه لا يتحدث عن حرفيته ولا مهنيته،استطاع ان يثبت وجوده واستطاع هذا الاعلام ان يعبر عن الواقع في العراق باعتباره واقعا متنوعا طائفيا ومذهبيا وقوميا .. ويكمل:
"الواقع عندنا هو هكذا وبهذا المعنى استطاع الاعلام ان يعكس التشكيلة العراقية..فنحن اليوم نجد قنوات طائفية وقومية “.
ويسترسل متسائلا:
” لكن السؤال الان هو :الى أي حد استطاع الاعلام ان يعبر عن واقع الشارع او عن اماله او ازماته ..في هذه النقطة على الاعلام مأخذ كثيرة لان الاعلام ما زال يراوح في موقعه المدافع ويفتقد الى الحرفية والمهنية العالية التي نستطيع ان نواجه من خلالها الاعلام المضاد... الاعلام هو الجبهة الحقيقية في الصراع... وانا لا اريد ان اقلل من الجبهات الاخرى عندما اقول ان الاعلام هو الجبهة الاولى للصراع الان فيما يخص القضية العراقية...فالصراع هو صراع اعلامي... واعلامنا العراقي لم يستطع ان يرتقي بهذه المهمة حتى الان رغم انه يسعى “...
ويبرر ذلك باشارته الى اسباب موضوعية ،على حد تعبيره، تتلخص في ان الاعلام المحلي عاش سنين طويلة منقطعا عن العالم الخارجي والمرجعيات المعرفية وبالتالي، والقول لشاوي، انعكس هذا الامرعلى قدرتنا على تأسيس كادر محترف قادر على تحمل تبعات النهوض بواقعنا الاعلامي..
ويكمل:
” تبدو المشكلة ،نقص الكادر المحترف ،اكثر جدية اذا ما عرفنا ان للعراق محطات فضائية اكثر من أي بلد عربي اخر...وهذا العدد يحتاج الى فنيين وتقنيين..والعراق لم يكن مهيئا لهكذا وضع...لكني اعتقد اننا سنتجاوز هذه الازمة مع مرور الوقت وتراكم الخبرة .. واؤمن ان العراق سيشهد انطلاقة اعلامية كبيرة خلال السنوات القادمة “.
البحث عن ضوابط
وبالتوازي لهذه الصورة يشير شاوي الى ان ملاحظة عدم وجود قوانين وضوابط تنظم العملية الاعلامية في العراق تبدو جديرة بالاهتمام .. داعيا الى السرعة في تشريع قوانين تنظم العمل الاعلامي وتنتشله من فوضاه وتمنح العاملين فيه القدرة على معرفة المساحة التي يمكن التحرك من خلالها.
منوها لرفضه المطلق ان يفهم كلامه على انه دعوة لتدخل الدولة في العملية الاعلامية ،لكنه يرى اهمية وجود ميثاق شرف يوضع من قبل مجلس النواب يحدد الثوابت العامة لتوجه الاعلام .. فمثلا من المفروض ان لا يكون هناك اعلام يدعو للارهاب او يبث اية افكار عنصرية او شوفينية او طائفية... والمخالف يجب ان يطبق بحقه القانون.
ويضرب مثلا لتاكيد فكرته من خلال تعداده لتجارب عدد من الدول الاوروبية التي اوجدت هكذا مواثيق تحرص جميع المؤسسات الاعلامية على مراقبة تنفيذها.
عن الافاق المستقبلية لقناة الحرية يقول:
"لدينا خطط مستقبلية طموح للارتقاء بمستوى القناة وهناك اكثر من مشروع يدور ضمن هذا الاطار ..من ذلك الاستعداد لفتح مكاتب اعلامية في عدد من العواصم العربية والعالمية..وهناك خطة اخرى للاشتراك في اقمار اصطناعية اخرى لغرض توسيع بث محطتنا “..
المثقف والاعلام
من جانب اخر يؤكد شاوي ان الاعلام والعمل الاداري،رغم زخم العمل، لم يستطع ان يؤثر على هويته الادبية كشاعر وناقد ومترجم لكنه يشير الى الاعلام ،ربما ،يأخذ من شحناته ووقته.
وهنا يشير الى ان العمل الاعلامي يمنحه القدرة على ممارسة دور المثقف بشكله العذري،مستعيرا المصطلح من طروحات غرامشي،بمعنى ان هذا العمل يمنحه القدرة ،كمثقف ،ان ينتج فعلا لا ان يقدم شكلا فقط لاسيما واننا نعيش هذا الصراع الاجتماعي والثقافي في العراق.
من هنا يؤكد شاوي ان المثقف اقدر من غيره على ادارة الاعلام على اعتبار ان العملية الاعلامية ما هي الا خطاب لغوي وبصري..وبالتالي يجب ان يكون لهذا الخطاب مرجعيات معرفية وبدون هذه المرجعية لا يمكن للعمل ان ينجح.بسبب كون الاعلام عبارة عن تخصصات تفترض وجود وعي ومعرفة وخبرة وبالتالي فان وجود مثقفين لهم علاقة بهذه التخصصات سيخلق طفرة في الاعلام العراقي.
بين الاقسام
وفي جولة بين اقسام القناة اكد الزميل قيس العجرش في قسم التحرير ان اهم المعايير التي تنتهجها المحطة في الية تحريرها للخبر هي مدى صدقية المادة المتناولة وعدم مساسها بالثوابت الوطنية اضافة الى رصانتها والوسطية خلال الخطاب وتاتي اهمية هذه المعايير انطلاقا من حرصنا على احترام المشاهد ..مشيرا الى ان المحطة تمتلك شبكة واسعة من المراسلين الموزعين على مختلف محافظات البلد يعملون على مدار اغلب ساعات اليوم من اجل تغطية الفعاليات والانشطة وعلى مختلف الاصعدة ..مشيرا الى صعوبات كثيرة تعترض عمل كادر القناة يأتي على راس ذلك الوضع الامني وصعوبة التنقل احيانا مما يضطر البعض الى المبيت داخل المحطة من اجل اكمال العمل.
المذيع رغيد صبري الربيعي يرى ان المحطة قد شهدت تطورا مهما خلال فترة قصيرة من خلال التعاون والحرص الذي يتصف به الجميع ..ذاكرا انه كمقدم تلفزيوني كثيرا ما تعرض الى تهديدات سابقة لكنه ،كما الكثير غيره،امتلكوا ايمانا مطلقا بوجوب العمل من اجل استمرار الحياة وعدم الرضوخ للون الاسود..
محمد النعماني مدير برامج القناة يبرر اهمال الدراما في القناة بقوله:
"منذ اللحظة الاولى لتاسيس القناة كان الخط العام هو عدم انتاج دراما ..ثانيا ان هكذا اعمالاً تحتاج الى ميزانيات ضخمة ،وحتى ما ينتج الان فانه من قبل شركات متخصصة الى جانب ان برامجنا اصلا تحتوي على مشاهد درامية ..اي اننا نملك شيئاً من الدراما .. اما قضية انتاج دراما بشكل محترف فلا اعتقد ان القناة قادرة على ذلك الان“.